سدرة المنتهى
قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * ) سورة النجم * جاء في تفسير قوله تعالى : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) {{ في حديث أبي ذر عند الإمام البخاري : فغشيها ألوان لا أدري ما هي، وفي حديث أبي سعيد وابن عباس : يغشاها الملائكة وفي رواية مسلم : فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها }}
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج المشهور : " ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَى سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ قَالَ هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى .. " رواه البخاري . نبقها : [[النبق معروف وهو ثمر السدر]] .قِلال [[هي الجِرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها ]] . هجر " [[ اسم بلدة ]] . ورقها مثل آذان الفيلة [[ في الضّخامة مثل آذان الفيلة ]] .
وقيل في سبب تسميتها سدرة المنتهى : - جاء في حديث ابن مسعود في صحيح الإمام مسلم : " وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط فيقبض منها " . وقال النووي سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي الشجرة التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله، وقيل إليها منتهى أرواح الشهداء، و الله أعلم .وهي ليست شجرة السدر الموجودة على الأرض كما يقول البعض .
وكما جاء في الحديث السابق : " فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها " ما معنى لا تُنعت "لا توصف" ؟ نحن نسمع عن أشياء كثيرة لا توصف، الروح من أمر ربي لا نعلم عنها شيئا، ولكن الذي نعلمه أنها [[ مستودع الأسرار ]]، و الجسد هو ذلك الجسم الذي يحتوي على القلب والعقل والحواس؛ العقل له قدرات محدودة، فهو ينقل ما عنده إلى القلب الذي يستقبل ما لا يستوعبه العقل، ويسمو الإنسان بروحه وقلبه إلى ما هو أبعد من قدرات العقل التي نعرفها، لذلك نرى بقلوبنا ما لا يستطيع العقل استيعابه، وقد جاء في الحديث بما معناه: {{ إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه }}، يجد حلاوته في قلبه [[ هل رأيتم علما وجدانيا لا يُعرف إلا بالقلب ؟ و لا يذوق لذة حلاوته إلا القلب ؟ ]] فالقلب يعقل ويبصر، لذلك يقال : لا تجادلني بشيء أراه بقلبي، وتراه بعينك . هذا ببساطة معنى أن سدرة المنتهى لا يستطيع أن يصفها أحد من حسنها .
يقول - صلى الله عليه وسلم - : ثم دنوت فسمعت صرير الأقلام ، يعني" صوتها " [[ أقلام تكتب مقادير الخلق : كم سنة يعيش ، رزقه ، كم قطرة ماء تدخل جوفه ، كم نبضة لقلبه طوال حياته ... الخ... ]] . جاء في نص صحيح البخاري عن السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها قالت : من حدثك أن محمدا قد رأى ربه، فقد أعظم الفرية ( الكذب ) على الله ، ثم تلت قوله تعالى : {{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } ، فالله جهز النبي وهيأه تلك الليلة لرؤيته،كما يريد الله ، وكما يليق بكماله سبحانه وتعالى ، {{ لا رؤية إحاطة أو جزء، أو كرؤية العين الطبيعية للأشياء }} ولكن كيف ؟؟ الله أعلم .
لذلك رؤية أهل الجنة لله ليست مستحيلة ، ولو كانت مستحيلة ما ذكرها الله، قال تعالى : {{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }} ، كيف ناظرة إلى الله ؟؟ الله أعلم . ويوضح لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك قائلا :{{ إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون فيه }} أي، لا تزدحمون فيه ؛ فالناس يرون قمرا واحدا وهم في أماكن مختلفة دون ازدحام ، ولكن كيف سنرى الله -عز وجل - يوم القيامة ؟ الله أعلم .
و أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى الجنة والنار، ورأى أقواماً يعذبون وأقواماً ينعمون - مع أنّ الساعة لم تقم - والله أعلم بكيفية ذلك ، لأن أمور الغيب لا يدركها الحس فمثل هذه الأمور إذا جاءت يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت وأن لا نتعرض لطلب الكيفية. وشاهد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ الجنة ونعيمها، ورأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رحلته المباركة الكوثر، وهو نهرٌ خصه الله لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إكرامًا له، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت ما هذا يا جبريل، قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر.
في المقابل، وقف على بعض أحوال الذين يعذّبون في نار جهنم، ومنهم الذين يقعون في الغيبة ويخوضون في أعراض المسلمين، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " لما عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. " ورأى أقوامًا تقطَّع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار، فقال له جبريل - عليه السلام : هؤلاء خطباء أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟
إن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن مجرد حادث عادي، بل كانت معجزة من معجزات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورحلة لم يسبق لبشر أن قام بها، وقد أظهرت فضل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتكريم الله ـ عز وجل ـ له، وأن الإسلام دين الفطرة، و بيّنت أهمية الصلاة في الإسلام، وأهمية المسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين اللهم متّع أبصارنا بالنظر إليك في جنّات النّعيم ،هذا ما سنتعرف عليه في الفصل القادم إن شاء الله.
✍️يتبع بإذن الله ….صلى الله عليه وسلم
اترك رسالتك وسيتم الرد عليها في اقرب وقت شكرا لك